السيد ابن طاووس

356

مصباح الزائر

بَنَى السَّمَاوَاتِ فَأَتْقَنَهُنَّ وَمَا فِيهِنَّ بِعَظَمَتِهِ ، وَدَبَّرَ أَمْرَهُ فِيهِنَّ بِحِكْمَتِهِ ، فَكَانَ كَمَا هُوَ أَهْلُهُ ، لَا بِأَوَّلِيَّةٍ قَبْلَهُ ، وَلَا بِآخِرِيَّةٍ بَعْدَهُ ، وَكَانَ كَمَا يَنْبَغِي لَهُ ، يَرَى وَلَا يُرَى وَهُوَ بِالْمَنْظَرِ الْأَعْلَى ، يَعْلَمُ السِّرَّ وَالْعَلَانِيَةَ ، وَلَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ ، وَلَيْسَ لِنَقِمَتِهِ وَاقِيَةٌ . يَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى ، وَلَا تُحْصِنُ مِنْهُ الْقُصُورُ ، وَلَا تُجِنُّ مِنْهُ السُّتُورُ ، وَلَا تُكِنُّ مِنْهُ الْخُدُورُ ، وَلَا تُوَارِي مِنْهُ الْبُحُورُ ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . يَعْلَمُ هَمَاهِمَ « 1 » الْأَنْفُسِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ وَوَسَاوِسَهَا وَنِيَّاتِ الْقُلُوبِ ، وَنُطْقَ الْأَلْسُنِ ، وَرَجْعَ الشِّفَاهِ ، وَبَطْشَ الْأَيْدِي ، وَنَقْلَ الْأَقْدَامِ ، وَخَائِنَةَ الْأَعْيُنِ ، وَالسِّرَّ وَأَخْفَى ، وَالنَّجْوَى وَمَا تَحْتَ الثَّرَى ، وَلَا يَشْغَلُهُ شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ ، وَلَا يُفَرِّطُ فِي شَيْءٍ ، وَلَا يَنْسَى شَيْئاً لِشَيْءٍ . أَسْأَلُكَ يَا مَنْ عَظُمَ صَفْحُهُ ، وَحَسُنَ صُنْعُهُ ، وَكَرُمَ عَفْوُهُ ، وَكَثُرَتْ نِعَمُهُ ، وَلَا يُحْصَى إِحْسَانُهُ وَجَمِيلُ بَلَائِهِ ، أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَأَنْ تَقْضِيَ حَوَائِجِيَ الَّتِي أَفْضَيْتُ بِهَا إِلَيْكَ ، وَقُمْتُ بِهَا بَيْنَ يَدَيْكَ ، وَأَنْزَلْتُهَا بِكَ ، وَشَكْوَتُهَا إِلَيْكَ ، مَعَ مَا كَانَ مِنْ تَفْرِيطِي فِي مَا أَمَرْتَنِي بِهِ ، وَتَقْصِيرِي فِي مَا عَنْهُ نَهَيْتَنِي . يَا نُورِي فِي كُلِّ ظُلْمَةٍ ، وَيَا أُنْسِي فِي كُلِّ وَحْشَةٍ ، وَيَا ثِقَتِي فِي كُلِّ شَدِيدَةٍ ، وَيَا رَجَائِي فِي كُلِّ كُرْبَةٍ ، وَيَا وَلِيِّي فِي كُلِّ نِعْمَةٍ ، وَيَا دَلِيلِي فِي الظَّلَامِ ، أَنْتَ دَلِيلِي ، إِذَا انْقَطَعَتْ دَلَالَةُ الْأَدِلَّاءِ ، فَإِنَّ دَلَالَتَكَ لَا تَنْقَطِعُ ، لَا يَضِلُّ مَنْ هَدَيْتَ ، وَلَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ . أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَأَسْبَغْتَ ، وَرَزَقْتَنِي فَوَفَّرْتَ ، وَوَعَدْتَنِي فَأَحْسَنْتَ ، وَأَعْطَيْتَنِي فَأَجْزَلْتَ ، بِلَا اسْتِحْقَاقٍ لِذَلِكَ بِعَمَلٍ مِنِّي ، وَلَكِنِ ابْتِدَاءً مِنْكَ بِكَرَمِكَ وَجُودِكَ . فَأَنْفَقْتُ نِعْمَتَكَ فِي مَعَاصِيكَ ، وَتَقَوَّيْتُ بِرِزْقِكَ عَلَى سَخَطِكَ ، وَأَفْنَيْتُ عُمُرِي

--> ( 1 ) الهمهمة : ترديد الصّوت في الصّدر . الصّحاح - همم - 5 : 2062 .